صديق الحسيني القنوجي البخاري

180

أبجد العلوم

أفكار الإنسان فيها ، فبعث أبو جعفر المنصور إلى ملك الروم أن يبعث إليه بكتب التعاليم مترجمة . فبعث إليه بكتاب أوقليدس ، وبعض كتب الطبيعيات ، فقرأها المسلمون واطلعوا على ما فيها ، وازدادوا حرصا على الظفر بما بقي منها . وجاء المأمون بعد ذلك ، وكانت له في العلم رغبة بما كان ينتحله فانبعث لهذه العلوم حرصا ، وأوفد الرسل على ملوك الروم في استخراج علوم اليونانيين وانتساخها بالخط العربي ، وبعث المترجمين لذلك ، فأوعى منه واستوعب ، وعكف عليها النظار من أهل الإسلام ، وحذقوا في فنونها وانتهت إلى الغاية أنظارهم فيها ، وخالفوا كثيرا من آراء المعلم الأول ، واختصوه بالرد والقبول ، لوقوف الشهرة عنده ، ودوّنوا في ذلك الدواوين ، وأربوا على من تقدمهم في هذه العلوم . وكان من أكابرهم في الملة أبو نصر الفارابي ، وأبو علي بن سينا بالمشرق ، والقاضي أبو الوليد بن رشد ، والوزير أبو بكر بن الصائغ بالأندلس ، إلى آخرين بلغوا الغاية في هذه العلوم . واختص هؤلاء بالشهرة والذكر ، واقتصر كثيرون على انتحال التعاليم وما ينضاف إليها من علوم النجامة والسحر والطلسمات ، ووقفت الشهرة في هذا المنتحل على مسلمة بن أحمد المجريطي من أهل الأندلس وتلميذه ، ودخل على الملة من هذه العلوم وأهلها داخلة واستهوت الكثير من الناس بما جنحوا إليها وقلدوا آراءها . والذنب في ذلك لمن ارتكبه ، ولو شاء اللّه ما فعلوه . ثم إن المغرب والأندلس لما ركدت ريح العمران بهما وتناقصت العلوم بتناقصه اضمحل ذلك منها إلا قليلا من رسومه تجدها في تفاريق من الناس ، وتحت رقبة من علماء السنة . ويبلغنا عن أهل المشرق أن بضائع هذه العلوم لم تزل عندهم موفورة ، وخصوصا في عراق العجم وما بعده فيما وراء النهر ، وأنهم على ثبج من العلوم العقلية لتوفر عمرانهم واستحكام الحضارة فيهم . ولقد وقفت بمصر على تآليف متعددة لرجل من علماء هراة من بلاد خراسان يشهر بسعد الدين التفتازاني ، منها في علم الكلام ، وأصول الفقه ، والبيان ، تشهد بأن له ملكة راسخة في هذه العلوم ، وفي أثنائها ما يدل له على أن له اطلاعا على العلوم الحكمية ، وقدما عالية في سائر الفنون العقلية . واللّه يؤيد بنصره من يشاء ، كذلك بلغنا لهذا العهد أن هذه العلوم الفلسفية ببلاد الإفرنجة من أرض رومة وما إليها من العدوة الشمالية نافقة الأسواق ، وأن رسومها هناك متجددة ، ومجالس تعليمها متعددة ، ودواوينها جامعة متوفرة ، وطلبتها متكثرة . واللّه أعلم بما هنالك وهو يخلق ما يشاء ويختار » « 1 » انتهى .

--> ( 1 ) آخر ما نقله عن ابن خلدون ( ص 534 ) .